مع حلول شهر رمضان المبارك، تزدان المساجد والشوارع بروحانيات خاصة، وتبرز عادات وتقاليد متوارثة ارتبطت بوجدان المسلمين عبر الأجيال. هذا الزخم الديني يدفع الكثيرين للتساؤل حول الحد الفاصل بين العبادات المفروضة والسنن النبوية، وكيف يمكن للمسلم ترتيب أولوياته بما يوافق صحيح الدين، خاصة في ظل انشغال البعض بالنوافل على حساب الفرائض الأساسية التي هي عماد الإسلام وقوامه.
حقيقة صلاة التراويح والقيام في جماعة
تعتبر صلاة التراويح المشهد الأبرز في ليالي رمضان، حيث تتراص الصفوف في المساجد خلف الأئمة في مظهر إيماني مهيب. ومع ذلك، يغيب عن ذهن البعض أن صلاة القيام في أصلها سنة مؤكدة وليست فرضاً، والمسلم الذي يتركها لا يقع عليه إثم، بينما ينال فاعلها أجراً عظيماً. المثير في الأمر أن التاريخ النبوي يخبرنا بأن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم صلاها في المسجد لمرات قليلة فقط، ثم أتمها في بيته خشية أن تفرض على المسلمين، ولهذا يذهب فريق من الفقهاء إلى أن صلاة القيام في المنزل قد تكون أفضل في بعض الحالات، خاصة لمن يرغب في الخشوع وتطويل القراءة بعيداً عن رتابة الزحام.
قراءة القرآن بين التلاوة والتدبر العميق
يحرص الصائمون على حمل المصاحف في كل مكان، سواء في البيوت أو المواصلات أو حتى أثناء فترات الراحة في العمل، وهذا بلا شك فعل خير يسعى صاحبه لنيل الثواب. لكن الجوهر الذي يحث عليه الدين يتجاوز مجرد تحريك اللسان بالكلمات، فالله سبحانه وتعالى دعا المسلمين في آيات كثيرة إلى التفكر والتدبر في ملكوته ومعاني آياته. هذا التدبر هو الذي يؤدي إلى تعميق الإيمان الحقيقي في القلوب، وهو ما يرتبط ارتباطاً وثيقاً بطلب العلم. فالعلم والسعي إليه يعد فريضة وفقاً للسنة النبوية، وكأن الدين يخبرنا بأن إعمال العقل وفهم أسرار الخلق لا يقل أهمية عن العبادات الظاهرة، بل هو أقرب لروح الإسلام وجوهره.
أولويات المسلم بين صلاة العيد والفجر
في خواتيم الشهر الكريم، يتسابق الناس لصلاة العيد في الساحات والمساجد الكبرى، وهي سنة مؤكدة تعكس الفرحة بإتمام الصيام وتعظيم شعائر الله. لكن المفارقة تظهر حين يغلب التعب البعض فيسهرون ليلة العيد ثم ينامون عن صلاة الفجر ليصلوا العيد. هنا يجب الانتباه إلى أن صلاة الفجر في وقتها هي فرض عين، وتركها يعد ذنباً كبيراً من الكبائر، بينما صلاة العيد سنة. القاعدة الشرعية تقول إن الحفاظ على الفريضة مقدم دائماً على التنفل، فالله عز وجل لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة، والحرص على أداء الصلوات الخمس في أوقاتها هو الاختبار الحقيقي لالتزام المسلم طوال العام وليس في رمضان فقط.
إن الجمال في الإسلام يكمن في توازن التكاليف، حيث منحنا الله الفرائض لنثبت بها عبوديتنا، وشرع لنا النوافل لنزداد قرباً منه ونجبر بها ما قد يقع من نقص في فرائضنا. والوعي بهذا الترتيب يجعل المسلم يعيش شعائره بوعي وبصيرة، فلا يرهق نفسه بما هو مسنون ويضيع ما هو مكتوب، بل يجمع بين الاثنين بقدر استطاعته، واضعاً نصب عينيه أن الغاية الأساسية هي تهذيب النفس والارتقاء بالإيمان.

تعليقات