بشكل مفاجئ ولأول مرة في واحدة من أقدم مناطق إنتاج الزيت الخام في مصر، كشفت تقنيات المسح الحديثة عن فرص واعدة لزيادة الإنتاج وتأمين احتياجات البلاد من الطاقة، وهو ما كان محور لقاء موسع جمع الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، مع المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، بمقر الحكومة بالعاصمة الإدارية الجديدة.
اللقاء لم يتوقف عند استعراض الأرقام فقط، بل وضع خارطة طريق واضحة لكيفية استغلال التكنولوجيا لتعظيم موارد مصر الطبيعية، مع التركيز على جذب الاستثمارات الأجنبية من خلال منصات دولية كبرى، وضمان استمرارية العمل في الحقول القائمة عبر سداد مستحقات الشركاء الأجانب بانتظام.
ثورة تكنولوجية في خليج السويس لاكتشاف آبار جديدة
خلال الاجتماع، قدم وزير البترول تفاصيل مثيرة للاهتمام حول النتائج التي حققتها تقنية المسح السيزمي القاعي المعروفة اختصاراً بـ (OBN). هذه التقنية المتطورة جرى تطبيقها في منطقة خليج السويس، وهي المنطقة التي ظن البعض أنها استهلكت أغلب إمكاناتها نظراً لتاريخها الطويل في الإنتاج، لكن التكنولوجيا أثبتت عكس ذلك، حيث أسفرت المسوح الحديثة عن تحديد نقاط وفرص استكشافية جديدة لم تكن مرئية بالوسائل التقليدية القديمة.
هذا التحول التكنولوجي امتد ليشمل تطوير عمليات الحفر وتنمية الحقول بالتعاون مع كبريات الشركات العالمية المتخصصة. الوزير أوضح أن الوزارة بدأت بالفعل في ابتكار نماذج تعاقدية وفنية جديدة تتماشى مع المتطلبات الحديثة، مثل استخدام تقنيات الحفر الأفقي والتكسير الهيدروليكي، وهي أساليب تهدف في المقام الأول إلى استخراج أقصى كمية ممكنة من الاحتياطيات في الحقول الصعبة أو المتقادمة.
تحركات دولية لوضع مصر على خارطة الاستثمار العالمي
انتقل الحديث بعد ذلك إلى الملف التسويقي لقطاع الطاقة المصري، حيث بدأت الحكومة الاستعداد الفعلي لواحد من أهم الأحداث الدولية في هذا القطاع، وهو مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة “إيجبس 2026”. الوزير أكد أن النسخة المقبلة التي ستعقد في مارس تحت رعاية رئاسية، ستكون منصة لترويج مصر كوجهة استثمارية مستقرة وجاذبة، خاصة مع الحضور المرتقب لرؤساء كبرى الشركات العالمية والمستثمرين المؤثرين في حركة الطاقة الدولية.
الهدف من هذه التحركات ليس مجرد عرض المشروعات، بل بناء شراكات إقليمية ودولية متينة تعزز من مكانة مصر كمركز إقليمي لتجارة وتداول الطاقة، والاستفادة من البنية التحتية القوية التي تمتلكها الدولة في هذا الصدد.
التزامات حكومية بضمان مستحقات الشركاء الأجانب
في الجانب المقابل، وجه رئيس الوزراء رسالة طمأنة واضحة للمستثمرين والشركات العاملة في قطاع الغاز والبترول، حيث شدد الدكتور مصطفى مدبولي على أن الحكومة تضع سداد مستحقات هذه الشركات والوفاء بالالتزامات المالية تجاهها على رأس أولوياتها. هذا التوجه يهدف بشكل مباشر إلى تشجيع الشركاء على ضخ المزيد من الاستثمارات وتكثيف عمليات البحث والاستكشاف.
مدبولي لفت إلى أن زيادة الإنتاج المحلي هي الهدف الأسمى حالياً لتقليل فاتورة الاستيراد وتأمين الوقود اللازم لمحطات الكهرباء والمصانع. وأشار إلى ضرورة تقديم حوافز حقيقية للشركات التي تنجح في تسريع وتيرة العمل وتنمية الحقول، مع ضرورة تعميم التجارب الناجحة التي أثبتت كفاءة في زيادة معدلات الاستخراج في مناطق مختلفة من الجمهورية.
التطورات الأخيرة في قطاع البترول المصري تشير إلى أن الدولة تراهن حالياً على “العلم والالتزام”؛ العلم من خلال التقنيات الحديثة التي تفتح أبواباً كانت مغلقة في الحقول القديمة، والالتزام عبر تشجيع الاستثمار الأجنبي وضمان حقوقه، وهو ما يبشر بمرحلة جديدة من الاستقرار والنمو في إنتاج الطاقة المحلي خلال السنوات القليلة المقبلة.

تعليقات