نادرًا ما يجتمع الجمال الهادئ مع الثقافة الرفيعة في شخصية واحدة كما حدث مع الشقيقتين منى وناهد جبر، فهذه العائلة الفنية لم تكتفِ بتقديم وجوه حسناء على الشاشة، بل قدمت نماذج نسائية استثنائية تركت أثرًا عميقًا في وجدان المشاهد العربي. وبينما كانت ناهد تشق طريقها ببراعة في عالم التمثيل والإخراج، كانت شقيقتها الكبرى منى جبر تبني مجدًا خاصًا يجمع بين سحر السينما ووقار الشاشة الصغيرة في عصر التلفزيون الذهبي.
منى جبر، التي ولدت في نهايات ديسمبر عام 1938، لم تكن مجرد فتاة تبحث عن الأضواء، بل كانت الشابة المثقفة التي نشأت في كنف والدها اللواء عبد الفتاح جبر. حصلت منى على درجة الماجستير في الآداب، وهو مؤهل علمي كان نادرًا بين فنانات جيلها، مما جعلها تطل على الجمهور بكاريزما مختلفة تعتمد على لغة الحوار السليمة والحضور الطاغي الذي يمزج بين الرومانسية والذكاء.
الانطلاقة من ماسبيرو وريادة العمل الإعلامي
بدأت الحكاية الحقيقية لمنى جبر مع انطلاق شرارة البث التلفزيوني في مصر عام 1960، حيث كانت من الرائدات اللواتي اقتحمن هذا المجال الجديد في ذلك الوقت. ومن خلف الميكروفون، نجحت في لفت الأنظار بأسلوبها الراقي، لتقدم برامج صارت بمرور الوقت جزءًا من كلاسيكيات الإعلام المصري، ولعل أبرزها برنامج “اثنين على الهوا” الذي كشف عن قدرة كبيرة في إدارة الحوار واللباقة التلقائية.
طموح منى لم يتوقف عند تقديم المنوعات، بل سعت جاهدة لنشر الثقافة الرفيعة من خلال برنامج “فن الباليه” في الثمانينيات. هذا الشغف بالعمل المؤسسي قادها لاحقًا لتولي مناصب إدارية هامة، حيث شاركت في إدارة قنوات مخصصة للأطفال، محاولةً نقل خبرتها التربوية ورؤيتها الفنية للأجيال الصاعدة، وهي المهمة التي اعتبرتها لا تقل أهمية عن الوقوف أمام كاميرات السينما.
منى جبر في السينما من السكرية إلى الحفيد
دخلت منى جبر عالم السينما وهي تحمل وقار المذيعة، وهو ما فرض عليها نمطًا معينًا من الأدوار التي كانت تختارها بدقة شديدة. كانت البداية في مطلع السبعينيات بفيلم “السكرية” عام 1973، لكن بصمتها الحقيقية والراسخة في عقول الجماهير جاءت عبر دورها في فيلم “الحفيد” عام 1975. في هذا الفيلم، جسدت منى معاني الدفء العائلي وقدمت صورة الفتاة المصرية الرقيقة بأسلوب لم يخفه بريق النجومية، ليصبح الفيلم أيقونة سينمائية تُعرض في كل منزل عربي حتى يومنا هذا.
تعددت تجاربها السينمائية بعد ذلك لتشمل أفلامًا مثل “النداهة” و”الأبطال” و”وراء الشمس”، وصولاً إلى تجربة مختلفة في فيلم “أنياب”. كانت دائمًا ما تحرص على أن تكون الشخصية التي تؤديها مرآة لقضايا المجتمع، بعيدًا عن الابتذال أو التكرار، مما جعل الجمهور يحترم اختياراتها ويقدر فيها ذلك الرقي الدائم الذي لم يتغير بمرور السنوات وبقاء اسمها لامعًا في سماء الفن.
الدراما التلفزيونية ورحلة الاعتزال الهادئ
على شاشة التلفزيون، قدمت منى جبر أعمالاً درامية لا تمحى من الذاكرة، حيث شاركت في مسلسلات ذات طابع اجتماعي وديني وتاريخي. نذكر منها “صيام صيام” و”محمد رسول الله” و”أولاد آدم”، وصولاً إلى العمل الرومانسي الشهير “الحب وأشياء أخرى”. كانت في كل شخصية تضفي لمسة من الصدق، وكأنها لا تمثل بل تعيش الواقع بملامحها الهادئة وصوتها الرزين الذي تعود عليه الناس في برامجها الإذاعية والتلفزيونية.
وفي مفاجأة لجمهورها، وفي وقت كانت فيه في قمة عطائها الفني، فضلت منى جبر الانسحاب من المشهد الفني تمامًا في أوائل التسعينيات. اختارت الاعتزال وهي في كامل تألقها، تاركة وراءها رصيدًا فنياً كبيراً يضم قرابة 16 فيلماً وأكثر من 18 مسلسلاً، بالإضافة إلى مسرحيات شهيرة مثل “الدنيا مزيكا”. تزوجت من فنان الباليه عبد المنعم كامل، وبعد رحيله ارتبطت بالمخرج هاني لاشين، لتعيش اليوم حياة هادئة بعيدة عن ملاحقة المصورين، مكتفية بما قدمته من تاريخ مشرف جعلها واحدة من أيقونات الزمن الجميل التي لا تُنسى.

تعليقات