حين نستعرض صفحات التاريخ الذهبي للتلفزيون المصري، يبرز اسم منى جبر كأحد العناوين العريضة للثقافة والرقي. لم تكن مجرد وجه جميل يطل عبر الشاشة، بل كانت حالة استثنائية جمعت بين العلم الأكاديمي والحضور الفني الطاغي، لترسم ملامح عصر كانت فيه المذيعة هي الواجهة الحضارية للمجتمع.
منى جبر الوجه الثقافي الذي غير مفهوم المذيعة
ولدت منى جبر في الثامن عشر من ديسمبر عام 1938، ونشأت في بيت يقدر قيمة العلم والمسؤولية، فهي ابنة اللواء عبد الفتاح جبر. ورغم أن شقيقتها ناهد جبر سلكت طريق الفن، إلا أن منى اختارت أن تأسس بنيانها الفكري أولاً، فحصلت على درجة الماجستير في الآداب، وهو مؤهل علمي كان يمنح صاحبه هيبة خاصة في ذلك الوقت، خاصة في الوسط الفني والإعلامي.
بدأت رحلتها مع انطلاق شرارة التلفزيون المصري عام 1960، فكانت من الجيل المؤسس الذي علم المشاهدين أدب الحوار وهدوء الطرح. امتلكت منى جبر قدرة مذهلة على محاورة الضيوف، وكان برنامجها الشهير “اثنين على الهوا” موعداً مقدساً للجمهور الذي يبحث عن المتعة البصرية والفكرية معاً. لم تتوقف طموحاتها عند البرامج المنوعة، بل وظفت ثقافتها في تقديم برامج متخصصة مثل “فن الباليه”، وهو ما يعكس رغبتها الدائمة في الارتقاء بالذوق العام وتثقيف المشاهد.
الانتقال من ماسبيرو إلى شاشات السينما وكلاسيكيات لا تنسى
كان من الطبيعي أن تلتفت أنظار مخرجي السينما إلى هذه الكاريزما الهادئة. وعلى خطى زميلاتها من المذيعات اللواتي اقتحمن عالم التمثيل، بدأت منى بفيلم “السكرية” عام 1973، لكن بصمتها الحقيقية التي لا تمحى كانت في فيلم “الحفيد”. في هذا العمل، قدمت منى جبر نموذج الفتاة المصرية الرومانسية والعاقلة في آن واحد، ونجحت في أن تكون جزءاً من ذاكرة كل بيت عربي يشاهد هذا الفيلم حتى يومنا هذا.
توالت أعمالها السينمائية التي اختارتها بعناية فائقة، فقدمت “النداهة” و”وراء الشمس” و”الأبطال”. كانت ترفض أن تكون مجرد “موديل” أو وجه تكميلي، بل بحثت دائماً عن الأدوار التي تحمل قضايا وتناقش مشكلات اجتماعية بأسلوب رصين. هذا التدقيق في الاختيارات جعل رصيدها السينمائي، رغم أنه لم يتجاوز 16 فيلماً، علامة فارقة في تاريخ السينما المصرية النظيفة والراقية.
الدراما التلفزيونية وقرار الاعتزال في قمة النجاح
لم يغب وهج منى جبر عن الشاشة الصغيرة التي شهدت بداياتها، فقدمت مجموعة من المسلسلات الدرامية التي أصبحت من كلاسيكيات الثمانينيات. من ينسى أداءها في مسلسل “صيام صيام” أو مشاركتها في الملحمة الدينية “محمد رسول الله”، وكذلك دورها المميز في “أولاد آدم” و”الحب وأشياء أخرى”. كانت في كل شخصية تؤديها تنقل جزءاً من وقارها الشخصي إلى الدور، مما جعل المشاهد يثق في كل كلمة تنطق بها.
وفي مفاجأة لجمهورها، وفي وقت كانت العروض تنهال عليها، قررت منى جبر في أوائل التسعينيات اعتزال الحياة الفنية والإعلامية تماماً. اختارت أن تنسحب والجمهور في حالة اشتياق إليها، مفضلة أن تترك صورتها الذهنية كما هي؛ سيدة مثقفة، وفنانة موقرة، وإعلامية من طراز رفيع.
حياة هادئة وإرث فني يتحدث عن صاحبه
خلف الأضواء، كانت حياة منى جبر مليئة بالتفاصيل الإنسانية، حيث تزوجت من فنان الباليه الراحل عبد المنعم كامل، ثم ارتبطت بالمخرج المبدع هاني لاشين. هذا الوسط الفني الراقي الذي عاشت فيه انعكس على قراراتها ومسيرتها، حيث تولت في مراحل من حياتها إدارة قنوات أطفال، وسعت لتقديم محتوى تربوي يبني عقول الصغار.
اليوم، حين نتحدث عن منى جبر، فنحن لا نتحدث عن ممثلة اعتزلت، بل عن مدرسة في الأداء والتقديم. تركت خلفها أكثر من 35 عملاً فنياً بين السينما والتلفزيون والمسرح، لكن الإرث الأهم الذي تركته هو التأكيد على أن الثقافة هي السلاح الحقيقي للفنان، وأن الرقي في التعامل هو ما يضمن لصاحبه الخلود في ذاكرة الناس بعيداً عن صخب النجومية الزائفة.

تعليقات