يواجه الكثير من الأشخاص مع تقدمهم في العمر تغيرات طارئة على الذاكرة أو القدرة على التركيز، وهو أمر قد يمر مرور الكرام باعتباره جزءاً من الشيخوخة الطبيعية. لكن الحقيقة تكمن في تفاصيل دقيقة تميز بين كبر السن العادي وبين الإصابة بمرض “الخرف”، فالفيصل هنا هو مدى قدرة الشخص على ممارسة حياته اليومية بشكل مستقل دون مساعدة.
لا يتوقف الخرف عند حدود نسيان الأسماء أو الأماكن، بل هو مظلة كبرى تندرج تحتها اضطرابات عصبية معقدة، مثل الزهايمر وخرف أجسام ليوي. والمفاجأة التي قد لا يعرفها الكثيرون هي أن هذا المرض يرسل إشارات تحذيرية “جسدية” تظهر على حركة الجسم وحواسه، قبل أن تتدهور القدرات العقلية بشكل كامل، وهو ما يتطلب انتباهاً شديداً من المحيطين بالمريض.
العلاقة بين توازن الجسم وصحة الدماغ
تعتبر حركة المشي عملية حركية معقدة للغاية، فهي تتطلب تناغماً دقيقاً بين الدماغ والأعصاب والعضلات. عندما تبدأ مناطق معينة في المخ بالتضرر، تظهر علامات واضحة مثل بطء الحركة غير المبرر وفقدان التوازن المتكرر، بالإضافة إلى صعوبة ملحوظة عند محاولة تغيير الاتجاه أثناء السير. هذه الإشارات قد تكون أولى بذور الاضطراب العصبي الصامت.
وفي بعض الحالات، يظهر على المريض انحناء غير معتاد في وضعية الوقوف، أو يبدأ في جر قدميه على الأرض بدلاً من رفعهما بشكل طبيعي. هذه الخطوات القصيرة والمترددة ليست دائماً وهناً في العضلات، بل قد تكون مؤشراً على “خرف أجسام ليوي” الذي يؤثر بشكل مباشر على السيطرة الحركية للمصاب.
الحواس ترسل رسائلها التحذيرية مبكراً
من العلامات التي غالباً ما يتجاهلها الناس أو يربطونها بمشاكل الجيوب الأنفية، هي تراجع حاسة الشم والتذوق. يلاحظ المقربون من الشخص المصاب أحياناً أنه فقد القدرة على تمييز رائحة الطعام المحترق أو لم يعد يستمتع بمذاق الوجبات المعتادة. هذا التغير الحسي قد يسبق الأعراض الإدراكية بفترة طويلة، ويعد بمثابة جرس إنذار يستوجب استشارة الطبيب للوقوف على الأسباب الحقيقية وراءه.
إلى جانب الحواس، تظهر مشاكل أخرى تتعلق بوظائف الجسم الحيوية، مثل صعوبة بلع الطعام أو السوائل. هذا الخلل يحدث نتيجة ضعف التنسيق العصبي المسؤول عن حركة عضلات المريء، مما قد يعرض المريض لخطر دخول الطعام إلى مجرى التنفس، وهو ما يعرف طبياً بالتهاب الرئة الاستنشاقي، وهي حالة صحية قد تصبح حرجة إذا تركت دون رعاية.
اضطرابات النوم والتحكم في الوظائف الحيوية
يرتبط الخرف أيضاً بتغيرات ملحوظة في أنماط النوم، حيث يبدأ الشخص في القيام بحركات مفرطة أو الصراخ والتحدث بصوت عالٍ أثناء الأحلام. هذه الظاهرة، المعروفة باضطراب سلوك حركة العين السريعة، قد تظهر قبل سنوات من تشخيص المرض فعلياً. كما يمتد التأثير ليشمل المسارات العصبية المتحكمة في المثانة، مما يسبب حالات من سلس البول أو زيادة عدد مرات التبول بشكل مفاجئ.
تكمن أهمية رصد هذه الأعراض الجسدية في إتاحة الفرصة للتشخيص المبكر. وعلى الرغم من عدم وجود علاج نهائي لبعض أنواع الخرف حتى الآن، إلا أن التدخل الطبي المبكر يساهم بشكل فعال في إبطاء وتيرة المرض وتحسين جودة حياة المريض بشكل كبير. يعتمد الأطباء في هذه المرحلة على فحوصات دقيقة تشمل تحاليل الدم واختبارات المؤشرات الحيوية لتحديد الخطة العلاجية الأنسب لكل حالة.
الوقاية تظل دائماً خير من العلاج، حيث تؤكد الأبحاث أن اتباع نمط حياة صحي يمكن أن يقلل من مخاطر الإصابة. يشمل ذلك الحفاظ على نظام غذائي متوازن مثل حمية “MIND” الغنية بالخضروات والحبوب، وممارسة الرياضة بانتظام، مع ضرورة الحفاظ على الروابط الاجتماعية وضبط مستويات السكر وضغط الدم، فكل ما يحمي القلب يصب في النهاية في مصلحة صحة العقل.

تعليقات