أزمة الهجرة في سبتة تضع مدريد أمام امتحان القانون الدولي وتكشف الوجه الحقيقي لابتزاز المخزن 

أزمة الهجرة في سبتة تضع مدريد أمام امتحان القانون الدولي وتكشف الوجه الحقيقي لابتزاز المخزن 

تتابع جريدة مانشيت تفاصيل «أزمة الهجرة في سبتة تضع مدريد أمام امتحان القانون الدولي وتكشف الوجه الحقيقي لابتزاز المخزن »، في ضوء المعلومات المتاحة حتى الآن، مع الحرص على تقديم الوقائع المؤكدة وتجنب أي معلومات غير موثقة.

تسابق الحكومة الإسبانية الزمن لإعداد مرسوم-قانون استثنائي يهدف إلى تسريع عمليات إعادة وتدوير آلاف المهاجرين الذين تدفقوا نحو مدينة سبتة المحتلة عبر موجة العبور الجماعي والممنهجة يومي 30 و31 يوليو الماضي. وتأتي هذه الخطوة التشريعية الطارئة، التي تقودها حكومة بيدرو سانشيز بإشراف مباشر من وزارة الداخلية، وسط سجال قانوني حاد وخلافات عميقة داخل الائتلاف الحكومي، إلى جانب تحفظات حقوقية متزايدة بشأن مقتضيات النص المزمع عرضه على مجلس الوزراء.

وترتكز المبادرة المثيرة للجدل على تقليص الإجراءات الإدارية والقضائية التي تؤخر عمليات الإعادة، بما في ذلك إجازة ترحيل طالبي اللجوء في حالات محددة قبل استنفاد جميع مراحل الطعن القضائي، على أن يستمر النظر في ملفاتهم إدارياً بعد طردهم خارج الأراضي الإسبانية، وهو التطور الذي يسلط الضوء مجدداً على حجم الضغوط الجيوسياسية والأمنية التي يمارسها نظام المخزن على الجوار الأوروبي عبر توظيف ملف الهجرة كأداة ابتزاز واضحة.

وتتضمن الصيغة قيد الإعداد تدابير ردعية تستهدف بالأساس مواطني الرعايا التابعين للدول التي يصنفها الاتحاد الأوروبي كـ”بلدان آمنة” —وفي مقدمتها المغرب—، إضافة إلى أصحاب طلبات اللجوء المتكررة والأشخاص الذين تصنفهم السلطات كتهديد للنظام العام أو الأمن القومي. ولتظهير حجم هذا التضييق، يستند وزير الداخلية الإسباني، فرناندو غراندي مارلاسكا، إلى أرقام رسمية تؤكد أن نحو 1% فقط من طلبات اللجوء التي يقدمها المواطنون المغاربة تحظى بالموافقة القبولية.

ورغم الشحن السياسي والضغط الإداري لعرض المرسوم على اجتماع الحكومة القادم، كشف التلفزيون الإسباني الرسمي (RTVE) أن اعتماده النهائي في الموعد المحدد يظل غير مضمون، في ظل استمرار التجاذبات بين الوزارات المعنية للوصول إلى صيغة قانونية تجنب مدريد المساءلة أمام المحاكم الأوروبية والحقوقية.

وتفجر هذا المشروع الاستثنائي في وجه الائتلاف الحاكم الإسباني ليعمق الشرخ السياسي مع ائتلاف “سومار”، الشريك اليساري في حكومة سانشيز، والذي أعلن بوضوح رفضه المبدئي لترحيل طالبي اللجوء قبل البت القضائي النهائي في ملفاتهم، مؤكداً أن الصياغات المسربة تتضارب بجلاء مع اتفاقية جنيف الخاصة باللاجئين والالتزامات الدولية لإسبانيا. ونظراً لأن المرسوم يتطلب مصادقة مجلس النواب بعد إقراره الحكومي، فإن رفض “سومار” يهدد المسار التشريعي برمته.

وفي المقابل، يستغل الحزب الشعبي المعارض الأزمة لممارسة مزيد من الضغط؛ حيث طالب زعيمه ألبرتو نونييث فييخو بتفعيل فوري للآليات الأوروبية الردعية وإشراك وكالة الحدود الأوروبية “فرونتكس”، فيما ذهب رئيس حكومة سبتة، خوان خيسوس فييفاس، إلى المطالبة بإعادة المهاجرين المغاربة الذين لا يستحقون الحماية عبر المعابر والحدود البحرية التي دخلوا منها مباشرة.

ويأتي هذا التحرك الإسباني تحت مظلة ضغط أوروبي مكثف لإنهاء الأزمة المتفاقمة في سبتة، حيث سارعت المفوضية الأوروبية إلى تخصيص 114.7 مليون يورو كمساعدات طوارئ لمدريد، رُصدت لتعزيز الحراسة الحدودية وتسريع الإعادة، مع إبداء وكالة “فرونتكس” استعدادها الكامل للتدخل العملياتي ميدانياً.

وتحث بروكسل على الإسراع في طرد المهاجرين الذين لا يحق لهم البقاء مع التشديد الشكلي على حماية الفئات الهشة والقاصرين، بينما يتكشف في خلفية الأزمة الموقف المخزني الذي أعلنه وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، مبدياً استعداد الرباط الكامل لتسلم المهاجرين وتحميل الجانب الإسباني مسؤولية البطء الإداري. غير أن هذا التودد الماكر من الخارجية المغربية لا يغطي حقيقة أن الرباط هي التي غضت الطرف عن الحشود وفتحت منافذ العبور في يوليو الماضي لاستخدام العنصر البشري كأداة تفاوض وابتزاز لانتزاع مكاسب سياسية.

ومع بقاء أكثر من عشرة آلاف مهاجر عالقين في سبتة وسط ظروف إنسانية وقانونية بالغة التعقيد، يظهر جلياً كيف يحول المخزن معانات شبابه ورعاياه إلى بضعة أوراق للمساومة السياسية والتجارية على حساب القوانين والكرامة الإنسانية.

إن تهرب النظام المغربي من مسؤولياته الاقتصادية والاجتماعية ورعايته لتصدير أزمات البؤس والبطالة نحو الشمال عبر موجات الهجرة الجماعية، يثبت أن الرباط باتت تعتمد “الهندسة الديموغرافية والعدوان الهجين” كاستراتيجية ثابته لإشغال مدريد وابتزاز الاتحاد الأوروبي. إن هذه السياسات التسلطية لن تجلب للمنطقة سوى المزيد من اللااستقرار وتكريس الصورة القاتمة لنظام يرعى التهجير القسري لشعبه للهروب من استحقاقات العدالة والتنمية والمحاسبة الشعبية.

وتعمل الجهات المعنية على استكمال المتابعة والتحقق من التفاصيل المرتبطة بالموضوع، بينما تبقى البيانات الرسمية هي المرجع الأساسي لأي تطورات جديدة أو قرارات لاحقة.

وتواصل جريدة مانشيت متابعة المستجدات، وسيتم تحديث هذا الخبر فور ورود معلومات إضافية موثوقة، مع الالتزام بالدقة والوضوح واحترام حقوق جميع الأطراف.

مصري كاتب ومحرر في جريدة مانشيت، يقدّم تغطية إخبارية ومحتوى موثوقًا يلتزم بالدقة والوضوح ومراجعة المعلومات قبل النشر.