خيار صعب.. كيف حسم فيلسوف عصره نجيب محفوظ أمره بين الفلسفة والرواية؟

يصادف هذا الشهر الذكرى التاسعة عشرة لرحيل أديب نوبل الكبير نجيب محفوظ الذي غادر عالمنا في الثلاثين من أغسطس 2006. نستعيد في هذه المناسبة سيرة الروائي المصري العظيم، مستعرضين محطات مؤثرة من حياته وشخصيته الفذة، خاصةً أيامه الأخيرة التي قضاها بمستشفى الشرطة بالعجوزة في غرفته رقم 612. لقد ترك محفوظ إرثًا أدبيًا وفكريًا لا يزال يضيء دروب الثقافة العربية والعالمية.

ملامح شخصية نجيب محفوظ: تواضع وعزيمة

  • كان الأديب الراحل نجيب محفوظ مثالًا للمريض الملتزم، حيث اتبع توجيهات الأطباء بدقة لدرجة أن أصدقاءه كانوا يظنون أنه في صحة جيدة.
  • بعد محاولة الاغتيال التي تعرض لها عام 1994 وأصابت يده اليمنى، توقف محفوظ عن الكتابة لعدة سنوات، ثم استأنف نشاطه الأدبي عبر عموده الأسبوعي بصحيفة الأهرام، في حوارات مستمرة مع الكاتب محمد سلماوي دامت اثني عشر عامًا.
  • تميز محفوظ بدقته الشديدة والتزامه بالمواعيد، فخصص يوم الأحد للقاء أصدقائه في فندق شبرد، ويوم الاثنين في فندق موفنبيك.
  • حرص على الرد على رسائل قرائه من جميع أنحاء العالم رغم تقدمه في العمر، وتقبل النقد برحابة صدر وكأنه كاتب مبتدئ.
  • عكس محفوظ تواضعًا كبيرًا حتى في تعامله مع من كانوا يشككون في استحقاقه لجائزة نوبل، ملتمسًا لهم العذر دائمًا.
  • أظهر دعمه القوي للقضية الفلسطينية، وأصر على ذكرها في خطاب تسلم جائزة نوبل، في وقت كان الحديث عنها صعبًا.
  • كان أبًا مثاليًا، لم يتدخل في حياة ابنتيه فاطمة وأم كلثوم، تاركًا لهما حرية اتخاذ القرارات حتى في أمور مثل الحجاب، ورباهما على التسامح، حتى أنه اعتذر لابنته فاطمة عندما أغضبها.
  • بعد وفاة توفيق الحكيم، حصل محفوظ على مكتبه في الأهرام، ورغم ذلك لم يجلس فيه بمفرده أبدًا.
  • تمنى محفوظ أن تكون نهايته هادئة وبلا ألم، مثل بعض أصدقائه الذين رحلوا سريعًا، لكنه ظل يقاوم المرض في غرفته بالمستشفى حتى اللحظات الأخيرة.

نشأة نجيب محفوظ: من الفلسفة إلى الأدب

وُلد الأديب العالمي نجيب محفوظ عبد العزيز إبراهيم أحمد الباشا في الحادي عشر من ديسمبر عام 1911 بحي الجمالية العريق في القاهرة. ترعرع محفوظ في أسرة مصرية متوسطة، حيث كان والده موظفًا بسيطًا ووالدته ربة منزل، وقد غرسا فيه قيم الانضباط وحب القراءة.

اقرأ أيضًا: روايات البوكر.. الأم تبحث عن ابنتها في “أشكال الحب” لكلير آدم

التحق محفوظ بكلية الآداب بجامعة القاهرة، وتخصص في قسم الفلسفة. كان على وشك الحصول على درجة الماجستير في الفلسفة الإسلامية، إلا أن شغفه بالسرد الأدبي غلب عليه، فقرر أن يجعل من الأدب وسيلته للتأمل في الحياة والفكر. تحولت رواياته لاحقًا إلى أعمال تحمل في طياتها فلسفة عميقة مغلفة بالحكاية والواقعية.

مسيرة نجيب محفوظ الأدبية: من المحلية إلى العالمية

بدأ نجيب محفوظ مسيرته الأدبية بنشر أولى قصصه القصيرة في مجلة الرسالة عام 1936. بعد ذلك، أصدر رواياته الأولى مثل “عبث الأقدار” عام 1939، ثم “كفاح طيبة” و”رادوبيس”، التي شكلت ثلاثيته التاريخية الفرعونية وعكست اهتمامه بالتاريخ المصري القديم.

اقرأ أيضًا: مفاجأة في أسعار الذهب.. انخفاض غير متوقع في مصر اليوم الثلاثاء رغم ترقب خفض الفائدة الأمريكية

في منتصف الأربعينيات، شهد أدبه تحولًا محوريًا نحو الواقعية الاجتماعية، وهي بصمته الأبرز التي تجلت في أعمال مثل “القاهرة الجديدة” و”خان الخليلي” و”زقاق المدق”. من خلال هذه الروايات، كشف محفوظ عن ملامح المجتمع المصري بكل طبقاته وتناقضاته. لاحقًا، اتجه إلى الرمزية والتأمل الفلسفي في أعمال مثل “الشحاذ” و”الباقي من الزمن ساعة”. تُعد روايته الشهيرة “أولاد حارتنا” من أبرز هذه الأعمال، وقد أثارت جدلاً واسعًا وتعرضت للمنع لفترات طويلة، وكانت أحد الأسباب وراء محاولة اغتياله.

لقد حوّل نجيب محفوظ القاهرة في أعماله من مجرد خلفية للأحداث إلى بطل حقيقي يشارك في نسيج الحكاية، نابضًا بأحيائها وشخوصها وتفاصيلها. أصبحت رواياته سجلًا حيًا للحياة المصرية الحديثة، جامعة بين الأبعاد التاريخية والاجتماعية والفلسفية، مما أهّله للقب “الفيلسوف الذي كسبته الرواية العربية”.

اقرأ أيضًا: خسائر بنصف مليون دولار.. عامل واحد يتسبب في غرق مصنع سيارات ريفيان بالكامل

توجت جهوده الأدبية بحصوله على العديد من الجوائز والأوسمة، كان أبرزها جائزة نوبل للآداب عام 1988. بهذا التكريم، انتقلت أعمال نجيب محفوظ لتصبح جزءًا لا يتجزأ من الأدب العالمي، مترجمة إلى عشرات اللغات وتُدرّس في أرقى الجامعات، وما زالت رواياته تحافظ على قيمتها وتأثيرها مع مرور الزمن.

اقرأ أيضًا: ظهور مفاجئ.. هيونداي تكشف عن أصغر وأحدث سيارة أيونيك بتصميم غير متوقع