في ليلةٍ كرويةٍ استثنائية، تجلّت الروح التاريخية لنادي النصر في مشهدٍ مؤثرٍ، حين ذرف النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو دموع الفرح، وشاركه الجمهور الاحتفال بقرع الطبول، ليؤكد النادي مجددًا فلسفته المتجذرة في “التعويض بعد الخسارة”. هذه اللحظات لم تكن مجرد انتصار عابر، بل تجسيدٌ لمسيرةٍ طويلةٍ أثبت فيها النصر مرارًا أنه لا يفوز إلا “بقرار” حاسم، يقلب به الطاولة على التحديات ويُعوّض محبيه عن فترات الغياب الصعبة ببطولاتٍ خالدة.
النصر: تاريخٌ من التعويضات الاستثنائية والقرارات الحاسمة
تعتبر ثقافة التعويض جزءًا لا يتجزأ من هوية نادي النصر، وهي ليست وليدة اللحظة، بل تعود إلى عقودٍ مضت. ففي عام 1980، وبعد هزيمة قاسية بخماسية أمام الاتحاد في أولى مباريات الدوري، أطلق رئيس النادي الراحل عبد الرحمن بن سعود مقولته الشهيرة للصحفي الاتحادي الساخر: “هذه الخسارة هي لقاح الحصول على بطولة الدوري”. وبالفعل، انطلق النصر بعدها ليحقق لقب الدوري ثم أتبعه بكأس الملك في موسمٍ استثنائي، مُقدمًا درسًا فريدًا في كيفية قلب الهزيمة إلى انتصار، وهو ما وثقته أغنية الفنان فهد بن سعيد الخالدة “حيوا معايا النصر” بعبارة “عوض بعد ما خسر”.
هذه السمة لم تتوقف عند ذلك الحد، بل استمرت لتشكل بصمة النادي على مر التاريخ. فالنصر، حين يواجه الانكسارات، لا يكتفي بالتعويض العادي، بل يسعى لانتزاع ألقاب ترسخ في الذاكرة. ولطالما ارتبط حصول النصر على الدوري بـ “قرارات” حاسمة اتخذها أصحاب الشأن. ففي عام 1988، وبعد غياب دام نحو عشر سنوات عن الدوري، تمسك الدكتور جمال الشرقاوي بفكرة التعاقد مع المدرب البرازيلي المغمور آنذاك جويل سانتا، ليوافق “أبو خالد” تحت ضغط الإقناع، ويحقق النصر اللقب المنتظر.
تكرر السيناريو في عام 1993، حيث مر النصر بأزمة كروية حادة، لكن اجتماعًا لأعضاء الشرف في منزل الأمير منصور بن سعود أسفر عن قرار تاريخي بإعادة النصر لمنصات التتويج. وتم التعاقد مع المدرب الفرنسي فرنانديز وثلاثة لاعبين أجانب بارزين، لينجح الفريق في تحقيق الدوري من جديد. وبعد غياب آخر استمر 19 عامًا، تولى الأمير فيصل بن تركي رئاسة النادي، واضعًا هدف استعادة الدوري نصب عينيه. وبعد اعتذار المدرب الأوروغواياني خورخي داسيلفا، جاء مواطنه دانيال كارينيو بتوصية منه. وأكد الأمير فيصل حينها أن “الدوري أهم حتى من بطولة آسيا”، مكرسًا قرار النادي بتحقيق اللقب، وهو ما تم بالفعل.
وفي عام 2019، وفي حقبة الرئيس سعود آل سويلم، تجدد القرار النصراوي بأن “الدوري أولًا وأخيرًا”. وبعد مفاوضات لم تكتمل مع البرتغالي جارديم، تم الاستقرار على المدرب فيتوريا، الذي نجح في انتزاع لقب الدوري السعودي للمحترفين في موسمٍ شهد تنافسًا شرسًا، ليؤكد من جديد أن هذه الإنجازات هي نتاج قرارات صارمة ومُحددة.
دموع رونالدو وقرع الطبول: تجسيدٌ متجدد لروح النصر
ومع دخول النصر حقبة الأسطورة كريستيانو رونالدو، وتطلع النادي إلى بطولة محلية كبرى، تكررت ثقافة “القرار” في عهد الإدارة البرتغالية. فبعد ثلاث سنوات بلا فرحة الدوري، اتخذ القرار بالتعاقد مع المدرب جورجي جيسوس، الذي صرّح منذ يومه الأول: “جئت للنصر من أجل الفوز بالدوري”. وبالفعل، أوفى المدرب بوعده، ليضع النصر نهاية لفترة انتظار أخرى، ويعوض جماهيره.
لقد كانت دموع كريستيانو رونالدو، التي غمرته فور إطلاق صافرة الفوز، وقرعه الطبلة العملاقة التي لطالما تأملها بعد انتصارات فريقه، تتويجًا لقصة طويلة من العزم والإصرار. إنها لحظات تختصر مسيرة “عوض بعد ما خسر”، وتثبت أن النصر يمتلك هوية فريدة يتقاطع فيها الفرح العميق بعد الصبر، وتتجمع فيها المتناقضات لتصنع مجدًا لا ينسى.
