أعترف بأنني قد عشت.. الشاعر التشيلي بابلو نيرودا يروي سيرة شاعر بين الحب والمنفى والسياسة
تتابع جريدة مانشيت تفاصيل «أعترف بأنني قد عشت.. الشاعر التشيلي بابلو نيرودا يروي سيرة شاعر بين الحب والمنفى والسياسة»، في ضوء المعلومات المتاحة حتى الآن، مع الحرص على تقديم الوقائع المؤكدة وتجنب أي معلومات غير موثقة.
تمر اليوم ذكرى رحيل الشاعر التشيلي بابلو نيرودا، الذي ولد في 12 يوليو عام 1904، ورحل في 23 سبتمبر عام 1973، تاركًا وراءه تجربة شعرية وسياسية امتدت على مدار عقود، جعلته واحدًا من أبرز شعراء القرن العشرين وأكثرهم تأثيرًا.
وخلال مسيرته الأدبية، حظي نيرودا بتقدير واسع، إذ وصفه الكاتب الكولومبي جابرييل جارسيا ماركيز بأنه واحد من أفضل شعراء القرن العشرين في جميع لغات العالم، فيما توجت مسيرته الأدبية بحصوله على جائزة نوبل في الأدب عام 1971.
ولم تقتصر تجربة نيرودا على الشعر، إذ امتلك مسيرة سياسية ودبلوماسية طويلة، انتمى خلالها إلى الحزب الشيوعي، وشغل عضوية مجلس الشيوخ، كما ارتبط اسمه بالحياة السياسية في تشيلي، حتى إنه كان مرشحًا للرئاسة قبل أن يتنازل عن ترشحه لصالح سلفادور أليندي.
وامتدت حياة نيرودا بين الشعر والسياسة، والسفر والمنفى، والحب والخذلان، لتشكل تجربة شديدة الثراء والتناقض، ترك خلاصة تفاصيلها في مذكراته التي حملت عنوان «أعترف بأنني قد عشت».
– «أعترف بأنني قد عشت».. سيرة شاعر وشاهد
يسرد نيرودا في مذكراته محطات مختلفة من حياته، منذ طفولته في جنوب تشيلي مرورًا ببداياته الشعرية ورحلاته الدبلوماسية، وصولًا إلى تجربته السياسية والمنفى، وعلاقاته بعدد كبير من الشعراء والكتاب والفنانين والسياسيين الذين التقاهم خلال حياته.
ولا تأتي المذكرات بوصفها سيرة ذاتية تقليدية مرتبة زمنيًا فحسب، وإنما تتداخل فيها الذكريات الشخصية مع الشعر والتاريخ والسياسة.
فحين يستعيد نيرودا طفولته، لا يروي مجرد وقائع من الماضي، وإنما يعود إلى الأمكنة والطبيعة والوجوه التي أسهمت في تشكيل مخيلته الشعرية.
وفي الوقت نفسه، تبدو حياته الشخصية مرتبطة باستمرار بما كان يحدث حوله فالحرب الأهلية الإسبانية، وصعود الفاشية، والنضالات السياسية في أميركا اللاتينية، والمنفى، والانقلابات العسكرية، كلها تتحول في المذكرات إلى أجزاء من سيرة الشاعر نفسه.
• من الجنوب التشيلي إلى الشعر
يعود نيرودا في بدايات مذكراته إلى طفولته في مدينة تيموكو جنوب تشيلي، وسط الطبيعة الكثيفة والأمطار والغابات، إذ تشكلت علاقته الأولى بالعالم، وكانت الطبيعة واحدة من المصادر المبكرة لخياله الشعري.
كما يستعيد فقدان والدته وهو لا يزال رضيعًا، وعلاقته بزوجة أبيه التي منحته قدرًا من الحنان والرعاية، إلى جانب عدد من الذكريات الصغيرة التي بقيت عالقة في ذاكرته، وتحولت لاحقًا إلى صور وأشكال في شعره.
ثم تأتي مرحلة الانتقال إلى سانتياغو، حيث يخرج الشاب القادم من الجنوب إلى مدينة أكبر وأكثر قسوة، هناك عاش الوحدة والجوع والبرد، وانغمس في القراءة والكتابة، وبدأ ينشر قصائده، قبل أن يلفت الانتباه تدريجيًا إلى موهبته الشعرية.
وهكذا تبدو ولادة نيرودا شاعرًا مرتبطة في جانب منها بالإحساس بالغربة؛ غربة الشاب عن المكان، وعن الآخرين، وحتى عن نفسه، قبل أن يجد في الشعر وسيلة للتعبير عن ذلك كله.
• حين أصبح العالم وطنًا للشاعر
لم تبق حياة نيرودا محصورة في تشيلي؛ فقد قادته مهمته الدبلوماسية إلى مناطق مختلفة من العالم، خصوصًا في آسيا، حيث عاش في بورما وسيلان وجاوة وشنغهاي وغيرها.
كانت تلك الرحلات مواجهة مباشرة بعوالم مختلفة تمامًا عما عرفه في بلاده، اللغة والعادات والأديان والطبيعة الاستوائية والموانئ والأسواق والاستعمار، كلها دخلت إلى عالمه الداخلي، وأصبحت جزءًا من تجربته الشعرية.
لكن السفر لم يكن بالنسبة إليه مجرد انتقال جغرافي فقد كان اغترابًا أيضًا، وفي كثير من الأحيان كان نيرودا يعيش بعيدًا عن وطنه وسط الوحدة والعزلة، ومع ذلك، منحت تلك التجربة شعره اتساعًا جديدًا، وجعلته ينظر إلى العالم خارج حدود تشيلي.
• إسبانيا.. اللحظة التي تغير فيها الشعر
تعتبر إسبانيا واحدة من أهم المحطات في حياة نيرودا، وربما أكثرها تأثيرًا في انتقاله من الشعر الشخصي إلى الشعر المرتبط بالقضايا العامة.
خلال إقامته هناك، التقى بعدد من أبرز شعراء ومثقفي إسبانيا، ومن بينهم فيديريكو غارثيا لوركا ورافاييل ألبيرتي، لكن الحرب الأهلية الإسبانية التي اندلعت عام 1936 غيرت رؤيته للعالم، كما ترك اغتيال لوركا أثرًا عميقًا في نفسه.
وشهد نيرودا أجواء الحرب والقصف، ووجد نفسه أكثر ارتباطًا بالجمهوريين، قبل أن يتحول الشعر بالنسبة إليه بصورة متزايدة من تعبير عن الذات إلى وسيلة للانحياز إلى الإنسان وقضاياه.
ومن هذه التجربة خرج كتابه الشعري الشهير «إسبانيا في القلب»، الذي ارتبط بالحرب وبمصير الجمهوريين، وأصبح واحدًا من أبرز الأعمال التي تعكس التحول السياسي في تجربة نيرودا الشعرية.
• من الشاعر إلى المنقذ
وبعد سقوط الجمهورية الإسبانية، وجد آلاف الإسبان أنفسهم لاجئين في فرنسا، في ظروف بالغة القسوة، وفي تلك اللحظة، لم يكتف نيرودا بالتعبير عن تعاطفه معهم، بل استخدم موقعه الدبلوماسي للمساعدة في إنقاذ عدد كبير منهم.
وجاء ذلك من خلال تنظيم رحلة السفينة «وينيبج»، التي نقلت أكثر من ألفي لاجئ إسباني إلى تشيلي عام 1939، وهي التجربة التي تحتل مكانة بارزة في مذكراته؛ لأنها تكشف جانبًا مختلفًا من شخصية نيرودا، فالشاعر الذي اعتاد تحويل تجاربه إلى قصائد أصبح هنا طرفًا مباشرًا في محاولة تغيير مصائر أشخاص حقيقيين.
وبالنسبة إلى نيرودا، لم تعد القصيدة وحدها كافية، كان عليه أن يتحرك في العالم، وأن يستخدم علاقاته وموقعه وقدرته على التأثير من أجل أشخاص رأى فيهم امتدادًا للقضية الإنسانية التي آمن بها.
• المنفى.. حين يصبح الوطن فكرة
لاحقًا، عاش نيرودا تجربة المنفى والملاحقة السياسية في تشيلي، وتنقل بين عدد من البلدان، من الاتحاد السوفيتي إلى الهند والصين وإيطاليا وغيرها.
كان المنفى بالنسبة إليه تجربة جغرافية ونفسية في الوقت نفسه؛ فالوطن الذي ابتعد عنه لم يعد مجرد مكان، بل تحول إلى ذاكرة وصورة وألم، بينما أصبح العالم كله فضاءً يكتشف فيه الشاعر معنى جديدًا للانتماء.
وفي أثناء هذه الرحلات، التقى نيرودا بشخصيات سياسية وأدبية وفنية كثيرة، وواصل النظر إلى الشعر باعتباره وسيلة للاتصال بين البشر، لا مجرد ممارسة جمالية منفصلة عن الواقع.
وتكشف المذكرات في هذه المرحلة عن شاعر أصبح أكثر التصاقًا بالتاريخ، لكنه لم يتخل عن نظرته الشعرية إليه؛ فالأحداث الكبرى لا تظهر عنده كتواريخ وأسماء فقط، وإنما كوجوه وصداقات وخسارات وأماكن وذكريات.
• الشعر.. حياة أخرى
من أكثر ما يلفت النظر في «أعترف بأنني قد عشت» أن نيرودا لا يفصل حياته عن الشعر؛ فالشعر بالنسبة إليه لم يكن مرحلة من مراحل حياته، وإنما الطريقة التي فهم بها العالم.
فهو يتحدث عن الكتابة، وعن الشعراء الذين عرفهم، وعن علاقته بالجمهور، وعن أثر القصيدة حين تخرج من الكتب والصالونات لتصل إلى الناس.
ولهذا تبدو المذكرات في جانب كبير منها دفاعًا عن فكرة أن الشعر يمكن أن يكون جزءًا من الحياة اليومية والتاريخ الإنساني، لا مجرد فن منعزل عن العالم.
• تشيلي.. الوطن العذب والقاسي
وفي الصفحات الأخيرة، يعود نيرودا إلى تشيلي، الوطن الذي ظل حاضرًا في تجربته مهما ابتعد عنه، ليصل السرد إلى واحدة من أكثر اللحظات قسوة في حياته، مع الانقلاب العسكري في تشيلي عام 1973 وسقوط حكومة سلفادور أليندي.
وكان الانقلاب حدثًا بالغ القسوة في الأيام الأخيرة لنيرودا، الذي كان يعاني من المرض، وبعد أيام قليلة من الانقلاب، رحل الشاعر في 23 سبتمبر عام 1973.
وهكذا تنتهي المذكرات تقريبًا عند النقطة التي يلتقي فيها الخاص بالعام؛ مرض الشاعر وموته من جهة، وانهيار التجربة السياسية التي ارتبط بها من جهة أخرى.
ولعل هذا ما يجعل عنوان «أعترف بأنني قد عشت» مناسبًا لهذه السيرة بصورة خاصة؛ فنيرودا لا يروي فقط ما كتبه، وإنما ما رآه وعاشه؛ طفولة في جنوب تشيلي، ووحدة في المدن، ورحلات بعيدة، وحب وشعر، وحروب ومنافي، وصداقات سياسية وأدبية، وصولًا إلى وطن شهد في أيامه الأخيرة واحدة من أكثر لحظاته اضطرابًا.
وفي النهاية، تبدو المذكرات سيرة شاعر حاول أن يكتب حياته كما عاشها، وأن يضع الشعر والتاريخ والحياة في نص واحد؛ سيرة لا تخلو من التناقضات والأسئلة، لكنها تظل شهادة على حياة عاشها صاحبها بكامل اتساعها، حتى جاءت اللحظة التي استطاع فيها أن يقول: «أعترف بأنني قد عشت».
وتعمل الجهات المعنية على استكمال المتابعة والتحقق من التفاصيل المرتبطة بالموضوع، بينما تبقى البيانات الرسمية هي المرجع الأساسي لأي تطورات جديدة أو قرارات لاحقة.
وتواصل جريدة مانشيت متابعة المستجدات، وسيتم تحديث هذا الخبر فور ورود معلومات إضافية موثوقة، مع الالتزام بالدقة والوضوح واحترام حقوق جميع الأطراف.
