شاهد خفي لا ينام.. كاميرات المراقبة تُشعل قضايا الرأي العام وتُوثق كل شيء من الجرائم الكبرى إلى أعمال الخير.

أصبحت الكاميرات، سواء في الهواتف الذكية أو أنظمة المراقبة، بمثابة العنصر المحوري الذي يوثق الأحداث اليومية ويحولها إلى قضايا رأي عام أو “ترند” على منصات التواصل الاجتماعي. هذه الأدوات أثبتت فعاليتها مؤخرًا في دعم الأجهزة الأمنية لضبط المخالفين، لكنها في المقابل تثير جدلًا واسعًا حول تأثيرها على صورة المجتمع، وأخلاقيات السعي وراء الشهرة عبر توثيق الأعمال الخيرية.

الكاميرات.. عين ترصد الأحداث وتحرك الرأي العام

في الآونة الأخيرة، تحولت وقائع عادية التقطتها عدسات الكاميرات بالصدفة، إلى قضايا تشغل الرأي العام، مثيرةً تعاطفًا أو استنكارًا واسعًا. ويعود الفضل في سهولة توثيق هذه الحوادث إلى انتشار الهواتف المزودة بكاميرات عالية الجودة، بالإضافة إلى إلزام قانون المحال العامة الصادر عام 2019 جميع المحال التجارية والخدمية بتركيب كاميرات مراقبة داخلية وخارجية. هذه الأدوات باتت خط الدفاع الأول لتوثيق أي واقعة، قبل أن تتولى منصات التواصل الاجتماعي نشرها ليقرر الجمهور مصيرها كـ”ترند”.

اقرأ أيضًا: بشرى سارة لجميع الموظفين.. موعد صرف مرتبات شهر أغسطس 2025 رسميًا

“كل شيء صوّره”: كيف عززت الكاميرات دور الأجهزة الأمنية؟

شاع مؤخرًا تعبير “كل شيء صوّره” في مصر، للدلالة على النجاح اللافت لوزارة الداخلية في ضبط مرتكبي الجرائم والمخالفات المصورة خلال ساعات قليلة. هذا التوجه ظهر بوضوح في قضايا شغلت الرأي العام، مثل قضية “فتى الجمعية شهاب”، و”سرقة الهاتف”، و”الثقب الأسود”.

ويكشف اللواء فاروق المقرحي، مساعد وزير الداخلية الأسبق، أن هذا النجاح في رصد المخالفين وضبطهم، لم يكن ليتحقق لولا التعاون الفعّال بين وزارة الداخلية والنيابة العامة. هذا التعاون أسفر عن منح وزارة الداخلية حق ضبط المخالفين فورًا بناءً على مقاطع الفيديو المنتشرة، وهو ما يمثل تحولًا عن السابق حيث كان يتطلب تقديم بلاغ مسبق. وأضاف المقرحي أن الفيديو أو الصورة أصبحا بمثابة بلاغ للشرطة، التي تتدخل على الفور وتتخذ الإجراءات اللازمة. هذا لا يقتصر على المخالفات الموثقة من المواطنين فحسب، بل يشمل أيضًا الفيديوهات المضللة أو التي تسيء للبلاد. وقد بات المواطنون يوثقون بكاميراتهم ما يتعرضون له من حوادث أو محاولات ابتزاز، ليتم نشرها ثم تتحقق الأجهزة الأمنية منها وتتخذ الإجراءات القانونية. هذا النهج لاقى ترحيبًا واسعًا من المواطنين الذين يشعرون بتفعيل واضح لآلية العقاب.

اقرأ أيضًا: رسميًا.. رئيس الوزراء يتابع تطورات مشروعات “تنمية الريف المصري الجديد”

جدل مجتمعي: هل تسيء الفيديوهات المنتشرة لصورة المجتمع؟

على الرغم من الإيجابيات الأمنية، يبدي قطاع من المواطنين استياءً متزايدًا من الانتشار الواسع لمقاطع الفيديو التي توثق التجاوزات، معتبرين أنها ترسم صورة سلبية عن المجتمع وتوحي بتراجع القيم الأخلاقية الأصيلة فيه. إلا أن اللواء المقرحي يرى أن الأمر يتجاوز مجرد الترحيب الشعبي، مؤكدًا على ضرورة توثيق هذه الوقائع ونشرها كوسيلة فعالة لمقاومة المخالفين أياً كانت طبيعة تجاوزاتهم، وذلك بهدف ردعهم والمساهمة في استعادة الانضباط.

هوس الترند والأعمال الخيرية: بين النية الحسنة والسعي للشهرة

لا تقتصر الكاميرات على توثيق السلبيات، بل تسهم أيضًا في إبراز أعمال بطولية وخيرية، مثل قصة الطفلة “هايدي” التي تبرعت بثمن كيس “الشيبسي” لصالح عمل خيري، وهو ما لاقى تفاعلًا إيجابيًا واسعًا. ورغم أهمية هذه النماذج في إلهام الآخرين، يرى البعض أن هناك من يسعى إلى ركوب موجة “الترند” عبر أعمال خيرية مصورة، متجاهلين أن الأصل في فعل الخير هو الكتمان. بل إن البعض يصل إلى حد صناعة الحدث أو القصة بأنفسهم لدفع طرف آخر لنشرها، ضمن ما يعرف بـ”هوس الترند”.

اقرأ أيضًا: تنسيق مفاجئ.. جامعة أسيوط الأهلية تخفض مجموع القبول بكلية الحاسبات والذكاء الاصطناعي لـ61%

منظور الدين وعلم النفس: متى يكون إعلان الخير ممدوحًا؟

الرؤية الشرعية: النية والحكمة هما الفيصل

يوضح الدكتور عبد العزيز النجار، أحد علماء الأزهر الشريف، أن الإسلام أباح السر والجهر في فعل الخير، مستشهدًا بالآية الكريمة: “الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ” [البقرة: 274]. ويشير إلى أن الفيصل بين السر والعلن هو الحكمة من الإعلان، فربما يكون الإعلان مطلوبًا ليقتدي به الآخرون، كما في بناء مستشفى أو مسجد. أما إذا كان الإنفاق موجَّهًا للفقراء والمساكين، فالستر أولى لئلا يُكسر خاطرهم. وفيما يتعلق بنشر أعمال الخير على مواقع التواصل، يؤكد النجار أن الأمر يتوقف على نية الشخص؛ فإن كان الغرض هو الشهرة أو أن يُقال عنه “رجل صالح”، فقد حبط عمله ونال أجره في الدنيا وليس له أجر عند الله.

التحليل النفسي: تأثير الترند السطحي

من جانبه، يرى الدكتور جمال فرويز، أستاذ الطب النفسي، أن توثيق الأعمال الخيرية ونشرها بهدف السعي وراء “الترند” يُعد سلوكًا غير أخلاقي، وسرعان ما ينكشف أمام الجمهور. إلا أنه لا يمانع في إبراز المشاهد الإيجابية ذات القيمة الإنسانية التي تترك أثرًا طيبًا على المجتمع. ويحذر فرويز من أن اللهاث وراء “الترند” يبقى أمرًا سطحيًا ومؤقتًا، فتأثيره في ذاكرة الناس لا يتجاوز بضعة أيام، فضلاً عن افتقاره لعنصر الاستمرارية. ويشدد على خطورة هذه الظاهرة، خاصة عندما يكون المحتوى المنتشر بلا قيمة حقيقية، مشيرًا إلى أن الكثيرين يسعون وراء الشهرة تحت وهم انعكاس ذلك إيجابًا على حياتهم، وهو ما يثبت الواقع عكسه غالبًا.

اقرأ أيضًا: رقم غير مسبوق.. اعتماد نتيجة الدور الثاني للشهادة الإعدادية في جنوب سيناء بنسبة نجاح 100%